مجرّد نوع

إنّ من يعرف الشيخ (مالك)، يعرف أنّه يقضي معظم نهاره معي، ويكاد لا يفارقني إلا وقت الروضة، ووقت النوم (وما زال يندسّ بيني وبين أبيه في أيام كثيرة).
هذه الملاصقة والملازمة تجعلني أرى كثيرا من أفعاله وأقواله (عادية)، إلى أن أحكيها لشخص خارج نطاق البيت، صديقتي هنا، أو أمي.. فأجد ردود فعل مفاجئة تخبرني أنّ هنالك ما هو استثنائيّ جدّاً، فأعود للتدوين عنه ولو كانت مقتطفات لنفسي.

لكني اليوم أجد هذا الموقف الصغير حقّاً يستحقّ المشاركة، لعلّه يرسم ابتسامة على وجه أحدٍ في زمن صارت فيه الابتسامات سبباً لظهور التجاعيد وتشقّقات البشرة، إمّا من قلّتها بسبب الهموم، أو من حقن البوتوكس وعمليات الشدّ التي تجعل الوجه كنايلو السفرة الذي ينخزق* بهذه البسمة!

مساء أمس كانت المعركة الطاحنة دائرة بين مالك وأخته سمية (تكبره بتسع سنوات)، وهذه المعركة هي طريقة اللعب السخيفة بين البنت المراهقة التي كانت تُعنى به بكلّ حبٍّ وهو صغير، وبين الصبيّ الذي يشبّ جسمه أسرع من عمره حتى اعتدنا أن نزيد في عمره عاماً كلما سُئلنا عنه. وقد بدأتّ هذه المعركة في الثامنة مساء، بانتظار وقت صلاة المغرب في التاسعة والنصف! لأنّ الآنسة الجميلة ستصلّي قبل أن تنام.
وهذا يعني ساعة ونصف من: طاخ، آآآآآآع.. مامااااااا، يلا مالك تخبّى! سوسووووووو اتركينييييي.. عاااااا.. رايح أشكيك لماما.. ماما مالك ضربني على عيني… عاااااااااا
وهكذا يظنّ السامع لهذه المطحنة أنّ قطيعاً من حمر الوحش البريّة اقتحمت قصر ملكٍ فأصدر قراراً للجيش بمحاصرتها وإخراجها، والنتيجة؟ لم ينجُ أحدٌ لا حماراً كان ولا بشراً ولا ملكاً ولا قصراً!
صار هذا يتكرّرحرفيّاً معظم الأحيان عندما يلعبان، ويضاف عليه أن (صفية) ذات السمع الفائق والحسّاس، تقفل باب الغرفة لتحبسهما خارجها عن الدخول إليها، فيأتيان ويدقّان على الباب وكأنّهما يعزفان، وهما لا يحتاجان شيئاً منها، وإنما فقط لأنّ باباً أُقفل في وجه هذه الفوضى.

وفي ظلّ هذا الهدوء والسلام، كنتُ قد استهلكتُ طاقتي التي تنتهي عند الساعة الثامنة من مساء كلّ يوم، فتمدّدتُ في السرير بانتظار فرج الله سبحانه بحلول أذان المغرب، ولم أغفُ طبعاً، خصوصاً أن مالك (كعادته) صعد إليّ في الغرفة خمس مرّات وهو يظنّ أنّه يتحرّك بخفّة -ما شاء الله-، ومعه خمس سيّارت على الأقل لا تصدر إلا قرقعة معدنية عادية توقظ جبلاً، وتسلّق إلى السرير وأنا مغمضة أدّعي النوم، لعلّه يرقد جواري وينام (ويتعبّد ربّه)، فسمعته يوشوش في أذني (وشوشة الأطفال التقليدية وهي فحيحٌ مليءٌ باللعاب): إنتِ نايمة؟ أنا رح أتشطّح جنبك وأنام بس.. ما رح أزعجك. وأمسكت نفسي عن الضحك بالكاد حتى لا يكشفني، فاستلقى ربع دقيقة وهو يرتّب ألعابه بكلّ صخب معتقداً أنّه هاااااامس جدّاً، هاااااادئٌ حقّاً، ثمّ سمعتُه يكلّم نفسه: هي سوسو شريرة، لازم أروح أعيّط عليها، رح أنزل ألعب لسه! أي والله.. في ذات الجملة، وسبحان من أنشأ عنده هذه المقدرة اللغوية على أن يبدأ بهذا المعنى ويذيّل الجملة بذاك!

تتساءلون أين أبوهم؟ بصراحة، أنا أيضاً أنسى الإجابة في بعض الأحيان وأتساءل، ثمّ أتذكّر أنه يفعل مثلما أفعل، لكن وهو جالسٌ معهم: إذا ما في دمّ في الأراضي ما حدا يتدخّل! وهذا يعني أنّنا لا نتدخّل طالما الأمر في نطاق اللعب حتى لو حدثتْ إصابات وشكاوى وبكاء، و(سمعان مو هون!).
ويأتي التدخّل في حال من اثنين:
سماع أحدهما يخبر أحدنا بشكل مباشر وصريح: أنا ما بقى بدّي ألعب معه/معها، وهذا يعني أنّ علينا أن نمسك الطرف الآخر ونقنعه أنّ وقت المزاح انتهى.
أو يأتي الفرج من الله سبحانه ويرتفع أذان المغرب، وهذا يعني أنّ الدوام الرسمي لأهل البيت قد انتهى.

وهذا ما حدث بالأمس، عندما ارتفع صوت زوجي منادياً أن: يا بنات صلّوا وناموا، سمعتُ (مالك) وهو ينغمّ بكاءه بطريقة (النغر*) صاعداً إليّ خابطاً الأرض بكلّ قوّته، يشكو أخته، وكان العرق يتصبّب منه وقد خلع جزء منامته العلويّ، ونحن نمرّ بفترة من صيف هامبورغ ذي النهار الطويل المشمس الجافّ، وكان ما زال متحمّساً للشكوى، مليئاً بالدموع والعرق والمخاط والكلمات والأحزان، فتناولتُ جهاز ترطيب الجوّ وتوجّهتُ إلى الحمّام لأملأه بالماء، قال وهو مازال يبرم شفته السفلى ويشرق بالدموع: بدّي أنام عندك.. قلتُ: لا بأس. قال وقد بدأت الشكوك تساوره من هدوئي: رح تشغلي البخار إلي؟ قلتُ بحزم: البخار إلي، انت إذا نمت عندي بكون جنبك، وبعدين بتروح ع غرفتك. فعاد يبكي ويقول: بس أنا متحسّس ومحتاج البخار!
وهو مصاب فعلا بنوبة ربو تحسسية كعادته في هذا الجوّ، قلتُ وقد بدأتُ أتوتّر (بكيّر ما هيك؟):
شوف مالك أنا.. ثمّ توقّفت لأنّي تذكرّت المروحة التي ابتعتُها الصيف الماضي، هكذا قلت لمالك بسرعة: اش رأيك أعطيك المروحة؟
وهكذا في أقل من الثانية، اختفت الدموع، راح البكاء، وكأنّ الصبيّ غير الصبيّ! وقال: هديك الطويلة اللي بتعمل صوت؟
رددتُ في دهشة: انت متذكّر من السنة الماضية؟! قال أبوه: ما بتفوته فايتة.. قلت: سبحان الله لمين طالع!
وتناولتُ صندوق المروحة وأخرجتُها، فنظر مالك بابتسامة واسعة وقال: أنا بشيلها. هاتي.. والله مو تقيلة أبداً، مع إنه شكلها تقيلة.. وهي لو بتعمل صوت عالي، أنا بتحمّل معلش، ما بنزعج. وهي بتشتغل عالبطارية وبدها وقت لتشحن؟ أوووه في سلك..
بالطبع لم يكن يعطيني فرصة للردّ، وحين قلتُ: إي بس السلك قصير، رح أدوّر على سلك أطول و..
لم ينتظر، كان يمضي إلى غرفته وهو ما زال يتكلّم: شوفي يا ماما شلون رح أحطها جنب تختي، بحطها هيك قريب مشان يوصلني الهوا، بتعرفي يا ماما؟

  • إيش يا مالك؟
    سبحان الله شلوووون الإنسااااان هو نووووع.. من… المخلوقات!
    ونظر لي بتلك النظرة المندهشة رافعا حاجبيه، وطبعاً أنا من المفاجأة -سبحان الله- وقفتُ وكلّي غباء لبضعة ثوان، ثمّ بدأتُ أضحك، وأضحك.. فأكمل هو: والمروحة نوع من.. من المعادن!
    أخيرا توقفتُ عن الضحك بعد أن دمعت عيني: نوع من الاختراعات، مروحتك بلاستيكية.
    هزّ رأسه هزّة رجل العلم الفاهم، وابتسم ابتسامة جانبية وقال: صحيح، صحيح..

واشتغلت المروحة الحمد لله، ونام أخيراً بسلام، بعد أن دُوِّن هذا الاكتشاف في كتب التاريخ والدين وعلم الأنثروبولوجي باسمه، وهو أنّ الإنسان نوع، مجرّد نوع.. حيّهُ من نوع.. لا أكثر من نوع.. من المخلوقات.

وعلى قدر ما تبدو العبارة مضحكة، على قدر ما هي عميقة تقول لنا ببساطة: أنتم مجرّد مخلوقات ممّا يمتلئ به الكون.. تواضعوا واعرفوا قدركم وحجمكم الحقيقي، هكذا قال (الشيخ مالك).

وسلامتكم.

  • ينخزق: فعل عربي فصيح، خَزَقه بالرُّمح/ خَزَقه بسكِّين: طعنه به فأنفذه فيه وأصابه به.
  • نَغِرَ الْوَلَدُ : غَلَى جَوْفُهُ مِنَ الْغَيْظِ. تستخدم هذه الكلمة في الدارجة الحلبية للإشارة إلى صوت الترجيع والترداد في البكاء عند الصغار.

موت الكاتب

هل جربت أن تختنق بالفكرة؟

يعيش الكاتب ويموت في كل مرة تولد أو تموت شخصية من شخوصه، أو فكرة من أفكاره.
يمسك حلقه حين تلتفّ حبال مشنقة الحزن على روحه، ويأخذ شهيقا عميقا.. شهيقَ غريقٍ لا يرى غرقه أحدٌ فيسعفَه، ويصيح مستنجدا بكلّ كيانه المحترق، فلا يسمع صياحه الصامت المحتبس داخله أحد٬ٌ لينقذه.

نيران وهميّة تلسه أطرافه طيلة النهار، تترك حروقها آثاراً لا تمحى ولا يراها سواه.. فتزيد عذاب نفسه.

يعاني وحده، يتألم وحده، يبكي كثيرا وحده.
ألف عالم يُبنى داخله ويقوّض كلّ يوم.
تنهار دنيا ويموت أحبةُ وهميّون تعلق بهم، وصاروا جزءاً من كلّه، ولا يعرف بذلك من البشر سواه.

يمشي مطئطئا شاردا، كأنه في جنازة أبدية لا تنتهي.
يجرّ أقدامه كأنها عالقة في الوحل الذي لا يزول مطلقا.
وينظر للعالم حوله في يأس، ثم حزن، ثم غضب!
كيف يعيشون هكذا في سلام؟ مع كل هذا الموت الذي يعيشه هو كلّ يوم بتفاصيله؟
لكنه يمضي ويستمرّ محاولا إيجاد نهايةٍ لطريق الغابة المخيفة.

أشباحُها: أوهامه، وحوشها: أفكاره، وطريقُها الشائك المعتم الممتدّ: مخاوفه وقلقه.

كلّ أرواح البشر يمكن أن تهدأ أو تجد لحظة سلام، إلا الكاتب الذي يكتب عن آلام هؤلاء البشر، إن روحه تبقى في وجع دائم كأنها جرح يوشك أن يلتئم، فيحكّه أحدهم ويفتحه مجدّداً.

لا يتعافى الكاتب بالكتابة، بل يتعافى قرّاؤه، أما هو.. فعلاجه الوحيد أن يستسلم لمشنقة أفكاره.. ويختفي.

١ رمضان ١٤٤٧

فمن يأتيكم بماء معين

فمن يأتيكم بماء معين.

ثلاث آيات تلخص (رحلة الهداية) وتصورها بشكل رمزي يبدو بسيطا وسهلا، لكنه الإعجاز عينه.

أرأيت لو أنك أردت الوضوء في بيتك، فذهبت وفتحت الصنبور فلم تنزل قطرة، احترت ورحت تبحث عن الأسباب: كل شيء في البيت سليم، لكن عداد الماء يخبرك ألا ماء يدخل بيتك. وبعد ساعات من البحث عن (مصدر الخلل)، تكتشف أن المصيبة عامة على جميع من حولك، وأنّ البلدية نفسها لا تعرف أين ذهب كلّ الماء، وكأنّه غار فجأة في أعماق الأرض!

فكر في حجم هذه الكارثة: مدينتك بأكملها تعيش على تمديد مائي، يسحب الماء عبر أنانيب طويلة من خزان واحد، وهذا الخزان يسحب الماء من مصادر أخرى، وكلها خلت من الماء في غمضة عين، من المصدر إلى الصنبور. ولا يوجد أي ماء سطحيّ يمكنك أن تحصل عليه، ولا قطرة.
تخيّل (المقتلة) التي ستحدث، الفوضى العامة، الجنون، سفك الدماء لأجل قطرة ماء عذبة واحدة تُشرَب، و.. التأثير النفسي الذي سيصل مرحلة الكفر.

هل تخيلت؟

الآن، استبدل (الماء المَعين) الظاهر القريب الذي تناله كل يوم بلا أدنى تفكير في قيمته وبلا أي تعب في تحصيله، بهداية الله لك.

إنك في كل يوم تصحو مسلما مَهديّاً من ربّ العالمين لا حول لك ولا قوة في تحصيل تلك الهداية، ولا تتخيل حالك لحظة دونَها! كأنّها حقّ مضمون مكتسب لا يمكن أن يُسلب منك.
لكنه ممكن.. آيات سورة الملك تقول إن هذا ممكن جدا في غمضة عين. بل وتبدأ من النتيجة التي خوطب بها الكفار في نهاية السورة: قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الماء الظاهر سهل المنال، وجعله غائراً تبتلعه الأرض ولا يمكنكم الوصول إليه.. فما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الهدى الذي تكفرون به، وتفرّطون فيه، وتتكبّرون عليه، ثمّ جئتم يوم القيامة ورأيتم جهنّم وهي تتميّز وتتفرّق وتتقطّع من الغيظ عليكم، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن عسّر الله عليكم هذا الرزق الذي تنالونه سهلا، وجعل أرضكم وعرة صعبة عسرة، أو متحرّكة كالموج تضطرب بكم ولا تستقرّ ولا تهدأ على حال، فلا يقوم لكم بناء ولا تسير بكم راحلة، أو جعل السماء تمطركم بالحصى والرمل بدلا من الماء، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم لو أنّ الله جعل أسراب الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها في حركة موزونة منتظمة، تهوي على رؤوسكم وتتخبّط فوقكم في كلّ مرة تحاول الطيران فيها، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم كلّ جندٍ قويّ عتيد تظنّونه لا يُغلب، لو أراد الله أن تُغلبوا وتهلكوا.. ما أنتم فاعلون؟
لا يقدرون على شيء، وكذا أنت، نحن.. لا نقدر على شيء لولا أن هدانا الله. فماذا أنت فاعل كي لا يحرمك الله هذه النعمة؟

تخيّل مصيبتك: أن تُحرم الهدى، ولا تدرك ما أنتَ محروم منه. هل ترى الطغاة والمجادلين والمعاندين من حولك، هل تجدهم قلقين باحثين عن الخير أو الحقّ؟ أبداً، لأنّهم حين أعرَضوا عن نعمة الله وقد عرفوا بها.. حتماً عرفوا بها، جاءهم العقاب العاجل في الدنيا، أن يُحرموا حتى البحث عن الهداية!
ما أوجع هذه المصيبة.. أن يراكَ من حولك فيدعون لك: الله يهديك.. فتصرخ بهم: وأنا اش فيني؟!
مصيبتك ألا تدرك حجم مصيبتك، مرضكَ ألا تعرف أنَكَ مريض، بينما أنتَ تُنهش وتُؤكل، ومن حولك يتقطّعون أسفاً عليك، يمدّون لكَ أيديهم بالنجاة أن تعال، وأنتَ تشيح بوجهكِ في كِبر وتردّد: أنا أعرف ما أفعل!

في كلّ يوم وأنتَ تستخدم الماء عشرات المرّات، تذكّر: بين يديك نبعٌ من هداية الله لك، بين يديك قرآن متى تناولتَه شربتَ منه دون مقابل، ودون أن ينضب، ولا شيء يمنعك عنه ويحول بينك وبينه إلا نفسك.. والموت. فماذا لو جاءك وأنتَ عطشٌ ظامئ لكنّك معرضٌ عن الشرب، لكِبرِك وعنادك وسفهِك.. فما أنتَ فاعل؟!

الجمعة ٢٠ رجب ١٤٤٧